احمد الجنتل
05-11-2007, 01:32 PM
طلعت حرب.. زعيم الغلابة
محمد الشافعى
هناك حكمة تؤكد على أن كل من يريد أن يكون مؤثرا أو فاعلا فعليه أن يسلك أحد طريقين فإما أن يتغلغل ببطء وإصرار مثل نقاط الماء الصغيرة التى تنزل على الصخر برتابة وانتظام حتى تكسره.. أما الطريق الثانى فهو الإتيان بعمل صادم وكبير لينفجر مثل القنبلة.. وللحق فإن الطريق الأول يمتلك قدرات أكبر على النجاح والاستمرارية.. وربما لذلك اختار الزعيم الوطنى الكبير طلعت حرب أن ينتهج هذا النهج مما مكن لبصماته وإنجازاته أن تسكن قلوب ووجدانات الغالبية العظمى من الشعب ومما جعل منه نموذجا رائدا وعظيما فى كيفية مواجهة الأعداء عن طريق بناء الذات وتقوية القدرات الوطنية.
وينتمى محمد طلعت إلى محافظة الشرقية التي تمثل إحدى قلاع الوطنية المصرية حيث ولد فى 25 نوفمبر 1867 بمنطقة قصر الشوق فى حى الجمالية وفى رحاب مسجد الحسين وكان والده موظفا بمصلحة السكك الحديدية الحكومية وينتمى إلى عائلة حرب بناحية ميت أبو علي من قرى منيا القمح بالشرقية كما كانت والدته تنتسب إلى عائلة صقر من كفر محمد أحمد التابعة لمنيا القمح أيضا. وقد حفظ طلعت حرب القرآن فى طفولته ثم التحق بمدرسة التوفيقية الثانوية بالقاهرة ثم التحق بمدرسة الحقوق الخديوية في أغسطس 1885 وحصل على شهادة مدرسة الحقوق فى 1889 بما يعنى أنه قد استقبل فى شبابه الباكر ثورة عرابى ضد الخديو وضد الإنجليز الذين احتلوا مصر فى 1882 وقد ساعد هذا على تأجيج الحس الوطنى داخل طلعت حرب مثل كل الشباب المصرى فى ذلك الوقت. وقد بدأ حياته العملية مترجما بقلم القضايا بالدائرة المدنية ثم أصبح رئيسا لإدارة المحاسبات ثم مديراً لمكتب المنازعات خلفا للزعيم الوطنى محمد فريد وذلك فى عام 1891 ثم تدرج في السلك الوظيفى حتى أصبح مديرا لقلم القضايا. وفى عام 1905 انتقل ليعمل مديراً لشركة كوم إمبو بمركزها الرئيس بالقاهرة كما أسندت له فى نفس الوقت إدارة الشركة العقارية المصرية التى عمل على تمصيرها حتى أصبحت غالبية أسهمها فى يد المصريين وكانت هذه الشركة بداية ثورة طلعت حرب لتمصير الاقتصاد ليمتلك القدرة على مقاومة الإنجليز وقد اتجه طلعت حرب إلى دراسة العلوم الاقتصادية كما عكف على النهل من العلوم والآداب فدرس اللغة الفرنسية وأتقنها وتواصل مع كافة التيارات العلمية والثقافية وامتزج بالكثير من أقطابها.
وقد كان طلعت حرب متعدد المواهب ولولا إخلاصه وتفرغه لدعم ومساندة ثورته الاقتصادية لأصبح واحدا من كبار المفكرين والكتاب العرب حيث بدأ حياته بتأليف الكتب خاصة وهو يمتلك الموهبة والأسلوب الجميل والفكر القوى وقد اشتغل بالصحافة وكانت له آثار صحفية وأدبية بارزة، كما كانت له معاركة الفكرية الكبيرة والمؤثرة حيث خالف اجتهادات قاسم أمين فى قضية تحرير المرأة حيث كان طلعت حرب محافظا فى أفكاره ويقدس تقاليد الآباء والأجداد مع ميل إلى التجديد والاقتباس من كل ما يفيد وينفع من مخترعات الأوروبيين وأفكارهم.
فى عام 1907 كتب مقالا على صفحات (الجريدة) قال فيه (نطلب الاستقلال العام ونطلب أن تكون مصر للمصريين وهذه أمنية كل مصرى ولكن ما لنا لا نعمل للوصول إليها؟ وهل يمكننا أن نصل إلى ذلك إلا إذا زاحم طبيبنا الطبيب الأوروبى ومهندسنا المهندس الأوروبى والتاجر منا التاجر الأجنبى والصانع منا الصانع الأوروبى وماذا يكون حالنا ولا (كبريته) يمكننا صنعها نوقد بها نارنا ولا إبرة لنخيط بها ملبسنا ولا فابريقة ننسج بها غزلنا ولا مركب أو سفينة نستحضر عليها ما يلزمنا من البلاد الأجنبية فما بالنا عن كل ذلك لاهون ولا نفكر فيما يجب علينا عمله تمهيدا لاستقلالنا إن كنا له حقيقة طالبين وفيه راغبين.. وأرى البنوك ومحلات التجارة والشركات ملأى بالأجانب وشبابنا إن لم يستخدموا فى الحكومة لا يبرحون القهاوى والمحلات العامة وأرى المصرى هنا أبعد ما يكون عن تأسيس شركات زراعية وصناعية وغيرها وأرى المصرى يقترض المال بالربا ولا يرغب فى تأسيس بنك يفك مضايقته ومضايقة أخيه وقت الحاجة.. فالمال هو (أس) كل الأعمال فى هذا العصر وتوأم كل ملك).
وإذا نظرنا إلى ما كتبه طلعت حرب في مطلع القرن العشرين لوجدنا أنه (مانفيستو) يحدد بدقة شديدة كل الآليات المطلوبة لأحداث ثورة حقيقية تحافظ على هوية الوطن وثوابت الأمة ونعتقد أننا ما زلنا فى أشد الحاجة لتطبيق (روشتة) طلعت حرب خاصة وأنه كان يتعامل مع السياسة على أنها عمل وإنشاء ويرفض التعامل معها من منطلق أنها مظاهرات وهتاف كما كان يؤمن بأن الاستقلال السياسى هو الأساس الحقيقى للاستقلال السياسى انطلاقا من المثل الشعبى الذى يقول (إذا أردت أن يكون قرارك من (رأسك) فلابد وأن يكون رغيفك من (فأسك) وكان طلعت حرب يؤكد بأن الاستقلال يأتى بالأساس عن طريق مداخن المصانع وليس أفواه المدافع وأن البنوك والشركات تحرس حرية مصر أكثر مما تحرسها القلاع الحربية وبالطبع فإنه كان يقصد البنوك التى تعمل لصالح غالبية الشعب وليست البنوك التى يسرقها أصحاب السلطة والسلطان من الساسة ورجال الأعمال.
وقبل أن نبحر فى ثورة طلعت حرب الاقتصادية نتوقف قليلا عند إنجازه الفكرى والأدبى حيث كان - كما ذكرنا - يقف فى الصف الأول من المحافظين ويتسم باستقامة عالية وروح قوية وإرادة عنيدة وهمة غلابة وباختصار فقد خلق ليكون زعيما. كما كان من الكتاب الواقعيين ومصلحا له رؤية واضحة تستهدف دوما المصالح العليا للوطن وقد بدأ حياته الفكرية بالكتابة فى الصحف ثم كتب كتابه الأول (كلمة حق عن الإسلام والدولة العثمانية) ثم كتاب (تربية المرأة والحجاب) وذلك رداً على كتاب (تحرير المرأة) لقاسم أمين الذى صدر عام 1898 ثم ألف كتاب (فصل الخطاب فى المرأة والحجاب) رداً على كتاب قاسم أمين الثانى (المرأة الجديدة) وقد أكد طلعت حرب على أن خصومته الفكرية مع قاسم أمين لم تكن على قضية التحرير الأدبى للنساء وإنما كانت تتمركز حول مخاطر هذه الطفرة الطارئة التى لا مبرر لها فى حياة نسائنا وما وراء هذه الطفرة من شر قد يستغله الدخلاء لتحقيق مصالح مادية ومعنوية، وكان يؤكد على أن (الحرية التى تقتل العصمة شر من الحجاب) وفى عام 1911 قدم طلعت حرب رؤيته الفكرية واجتهاداته النظرية عن كيفية إحداث ثورته الثقافية وذلك من خلال كتابه (علاج مصر الاقتصادى وإنشاء بنك للمصريين)
وفى عام 1912 قدم طلعت حرب كتابه (قناة السويس وذلك لتفنيد دعاوى إنجلترا وفرنسا لتمديد عقد احتكار القناة لمدة 40 سنة أخرى بعد الــ 99 سنة التى تنتهى فى عام 1968 وقد نجحت حملة طلعت فى القضاء على هذا المخطط الاستعمارى فى مهده.
وقد كان طلعت حرب ميالا - بشكل واع - للفلاحين والغلابة ويدافع عنهم فعند تصفية الدائرة السنية سعى إلى بيع الأراضى إلى الفلاحين الذين يزرعونها ونجح فى ذلك مما يؤكد نزعته الاشتراكية التى لم يسع أبدا إلى قولبتها فى قوالب سابقة التجهيز ولكنها كانت اشتراكية تنبع من الأرض المصرية.
بعد أن أعلن طلعت حرب عن فكرته فى ضرورة إنشاء بنك للمصريين انعقد (المؤتمر الوطنى) عام 1911 للنظر فى مشكلات مصر الاجتماعية وقرر المجتمعون تنفيذ فكرة حرب فى إنشاء بنك مصر وقد تعطلت عملية إنشاء البنك بسبب الحرب العالمية الأولى.
وعندما انتهت الحرب دون أن تحصل مصر على استقلالها السياسى انفجرت ثورة 19 بقيادة سعد زغلول وأثناء الثورة دعا طلع حرب أبناء مصر إلى الكفاح ضد سيطرة الأجانب الاقتصادية على المقدرات المصرية وتعود فكرة إنشاء بنك مصر وينجح طلعت حرب فى إنشاء البنك عام 1920 حيث تم الاحتفال بتأسيسه مساء الجمعة 7 مايو 1920 فى دار الأوبراالسلطانية وذلك برأس مال 180 ألف جنيه وتم تحديد قيمة السهم بأربعة جنيهات مصرية وفى نهاية عامه الأول ارتفع رأس مال البنك إلى 175 ألف جنيه ثم إلى نصف مليون جنيه عام 1925 ثم إلى مليون جنيه عام 1932 وقد بدأ بنك مصر فى ركن متواضع من أوطان شارع الشيخ أبى السباع، وقد كان طلعت حرب شخصية شديدة الحيوية والديناميكية ينهض مبكراً ويبدأ العمل فى السادسة صباحا ويصدر التعليمات إلى رجاله وظل يعمل لمدة خمس سنوات لمدة 15 ساعة يوميا وبدون مقابل. وقد استفاد طلعت حرب كثيراً عندما ارتبط فى بداية حياته بعلاقة وثيقة مع عمر باشا سلطان مما أكسبه الكثير من الخبرات الاقتصادية والإدارية وفى اتصاله بالحركة الوطنية أيام الخديو عباس حلمى الثانى. ولذلك فقد كان ينظر إلى المال كخدمة عامة يساعد فى الحفاظ على الثروة الوطنية وتصنيع البلاد وقد أكد ذلك فى خطبة افتتاح بنك مصر حيث ذهب إلى أنه ليس بنكا تجاريا حيث إن مهمته الأساسية هى إدخال التصنيع إلى مصر وتشجيع التجارة وقبل أن ينشئ بنك مصر أنشأ مع صديقه فؤاد الحجازى محلا للبقالة حتى يشجع المصريين على التجارة ورغم انتقادات المحيطين به إلا أن التجربة نجحت وشجعت الكثيرين على خوض مجال التجارة وقد تنازل بعد ذلك عن المحل لبعض المصريين. وقد كان شعاره الوحيد (من حسب كسب) وقد كتب عنه جاك بيرك (إن ميزته الأولى كانت فى إدراكه للقوة الكامنة والإمكانات الهائلة التى لم تستقل بعد عند مواطنيه) وهذا كلام صادق تماما حيث دأب الاحتلال الإنجليزى على ترويج أن الشعب المصرى لا يعرف إلا الزراعة وأنه لا يجيد الأعمال الاقتصادية أو الصناعية وقد أثبت طلعت حرب فساد وخطأ هذه المقولات حيث ساهم بنك مصر فى تجميع أموال المصريين التى ادخروها خلال الحرب العالمية الأولى والتى كانت حائرة عاطلة بعد ارتفاع أسعار العقارات. وقد قام بنك مصر برسالته الوطنية فى تنمية الودائع علاوة على أرباحه التى استثمرها في إنشاء أكثر من عشرين شركة مصرية ومع تأسيس البنك رفض طلعت حرب رئاسة بنك مصر وترك المنصب لأحمد مدحت باشا يكن واكتفى هو بمنصب نائب الرئيس والعضو المنتدب وقد استدعى الخبير الألمانى (فون أنار) لوضع النظم الداخلية للبنك وفى نفس الوقت أرسل بعثات من شباب مصر إلى إنجلترا وسويسرا وألمانيا للتدريب العملى على العمل المصرفى وقد عاد جميع المصريين ليعملوا فى بنك مصر، وسريعا ما انتقل بنك مصر من مقره المتواضع إلى مقره الحالى فى شارع محمد فريد وسريعا ما انتشرت فروع البنك لتصل إلى 37 وحدة مصرفية فى عام 1938، وقد اهتم طلعت حرب بالمظهر الخارجى لمنشآت بنك مصر فجعل جميع مبانى البنك ذات نمط معمارى واحد. وقد استطاع بنك مصر وشركاته امتصاص جزء كبير من البطالة حيث زادت ودائع البنك مقارنة بكل البنوك الأجنبية العاملة فى مصر مما أنهى مقولة الاستعمار والتى كانت تردد فى ذلك الوقت (المصرى لا يعرف إلا الاستدانة) حيث استطاع بنك مصر تحفيز الادخار لدى كل المصريين حتى الأطفال بعد أن وزع البنك حصالات على تلاميذ المدارس الابتدائية ثم يأخذ ما فيها ويفتح للأطفال دفاتر توفير بالبنك.. كما كان طلعت حرب يراعى دائما البعد الأخلاقى في معاملاته وتعاملاته حيث أصدر قراراً بعدم تمويل بنك مصر لأية مشروعات تسىء إلى الخلق العام، وكرامة الإنسان.. كما حرص البنك على مساعدة صغار الصناع والحرفيين للصمود أمام سيطرة المنتجات الإنجليزية على السوق المصرية ومنافستها وكما شجع البنك قيام شركات المقاولات المصرية ودعمها ماليا بكسر احتكار الأجانب لهذه المشروعات حيث كان الأجانب يقرضون الفلاحين والجمعيات التعاونية بضمان الأرض فإن عجزوا عن السداد يتم الاستيلاء على الأرض المرهونة وقد استطاع طلعت حرب أن يتصدى لهذه السياسة الاستعمارية ليتم الحفاظ على ثروة مصر من الأرض الزراعية، وقد طلب البنك من الحكومة المصرية إنشاء البنك العقارى المصرى ليتولى عمليات الدعم للنشاط الزراعى فى جميع أنحاء مصر.
بعد عامين فقط من إنشاء بنك مصر قام طلعت حرب بإنشاء أول مطبعة مصرية برأس مال قدره خمسة آلاف جنيه وذلك ليدعم الفكر والأدب ويقوى المقاومة الوطنية حيث كان يؤكد على أهمية أن تكون القراءة فى أيدينا وليس فى يد الأجنبى.. وبعد إنشاء المطبعة توالت الشركات المصرية التى ينشئها البنك مثل شركة مصر للنقل البرى التى قامت بشراء أول حافلات لنقل الركاب والتى ظهرت فى فيلم «الوردة البيضاء» للموسيقار محمد عبد الوهاب، كما قامت الشركة بشراء الشاحنات الكبيرة لنقل البضائع من الموانئ كما أنشأ البنك شركة مصر للنقل النهرى ثم شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى واستقدم طلعت حرب خبراء هذه الصناعة من بلجيكا وأرسل بعثات العمال والفنيين للتدريب فى الخارج.. كما أقام مصنعا لحلج القطن فى بنى سويف... وأنشأ البنك مخازن (شون) لجمع القطن فى كل محافظات مصر.
وتواصلت عطاءات طلعت حرب فأنشأ شركات مصر للملاحة البحرية ومصر لأعمال الأسمنت المسلح ومصر للصباغة ومصر للمناجم والمحاجر ومصر لتجارة وتصنيع الزيوت ومصر للمستحضرات الطبية ومصر للألبان والتغذية ومصر للكيمياويات ومصر للفنادق ومصر للتأمين ، كما أنشأ طلعت حرب شركة بيع المصنوعات المصرية لتنافس الشركات الأجنبية بنزايون - صيدناوى.. إلخ.
وقد سعى طلعت حرب لإنشاء شركة مصرية للطيران إلى أن صدر فى 27 مايو 32 مرسوم ملكى بإنشاء شركة مصر للطيران أول شركة طيران فى الشرق الأوسط برأس مال 20 ألف جنيه وبعد عشرة أشهر زاد رأس المال إلى 75 ألف جنيه وقد بدأت الشركة بطائرتين من طراز (دراجون موت) ذات المحركين تسع كل منها لثمانية ركاب وكان أول خط من القاهرة إلى الاسكندرية ثم مرسى مطروح، وكان الخط الثانى من القاهرة إلى أسوان وفى عام 1934 بدأ أول خط خارجى للشركة من القاهرة إلى القدس.
كان طلعت حرب يؤمن بأن تجديد الاقتصاد فى مصر فى بلد زراعى متخلف لن يتم إلا إذا ازدهرت الثقافة واستنارت العقول بالأفكار الجديدة والثقافة الرفيعة وكان يؤمن أيضا بأن الثقافة استثمار كبير. وإيمانا منه بضرورة تدعيم الثقافة والفنون ونشر الوعى قام بتأسيس شركة مصر للتمثيل والسينما (أستديو مصر) لإنتاج أفلام مصرية لفنانين مصريين مثل أم كلثوم - عبد الوهاب وغيرهما وقد أنتج أستوديو مصر فيلما قصيرا لمدة عشر دقائق للإعلان عن المنتجات المصرية. كما أنتج نشرة أخبار أسبوعية عن الأحداث فى مصر يتم عرضها فى دور العرض قبل بداية أى فيلم وقام أستوديو مصر بإرسال البعثات الفنية من المصريين إلى أوروبا لتعلم فنون التصوير والإخراج والديكور والمكياج فسافر أحمد بدرخان - موريس كساب(إخراج) - حسن مراد - محمد عبد العظيم(تصوير) - مصطفى والى (صوت) - ولى الدين سامح (ديكور) - نيازى مصطفى (مونتاج) وتم تعيين الفنان أحمد سالم مديراً لأستوديو مصر وقد أكد طلعت حرب على أهمية السينما وخطورة دورها عندما قال (إننا نعمل بقوة اعتقادية وهى أن السينما صرح عصرى للتعليم لا غنى لمصر عن استخدامه فى إرشاد سواد الناس).
لم تنتج شركة ستوديو مصر أفلاما فى البداية ولكنها أنشأت معامل استعان بها المنتجون الأوائل مثل يوسف وهبى (فيلم زينب عام 1930) - آسيا (فيلم وخز الضمير عام 31) - عزيزة أمير (فيلم كفرى عن خطيئتك عام 33).
وقد أنتج أستوديو مصر ما بين عامى 38 - 1956 مجموعة من الأفلام بلغت 57 فيلما أولها وداد لأم كلثوم وأهمها (سلامة فى خير - لاشين - العزيمة - سى عمر - غرام وانتقام - السوق السوداء - فاطمة - لحن الخلود)
وبعد أن أنشأ طلعت حرب مطبعة مصر وأستوديو مصر أنشأ أيضا مسرح الأزبكية (المسرح القومى) الذى ظل لوقت طويل أهم مسارح القاهرة وأرقاها، ومن خلال هذه الثلاثية (المطبعة - الأستوديو - المسرح) اكتملت سيمفونية الفنون والثقافة التى آمن بها طلعت حرب والتى حقق من خلالها هدفين كبيرين الأول أنه ساهم فى تنوير العقل والذوق والوجدان فى مصر مما ساعد على خلق مناخ سليم لحركة اقتصادية جديدة والثانى أنه أدرك القمة الاقتصادية للثقافة وآمن بأن الثقافة هى صناعة رابحة من الدرجة الأولى، وقد استطاع طلعت حرب أن يفجر ثورة اقتصادية شاملة من أكثر من عشرين شركة وطنية انبثقت عن بنك مصر الذى كان مولده البداية الحقيقية للرأسمالية الوطنية المصرية التى قادها طلعت حرب ومعه أحمد مدحت يكن باشا - يوسف أصلان قطاوى باشا - عبد العظيم المصرى بك - عبد الحميد السيوفى - د. فؤاد سلطان - إسكندر مسيحة - عباس بسيونى الخطيب وكلهم مؤسسو بنك مصر، كما ساهمت السيدة هدى شعراوى بشراء 500 سهم. وقد أثبت بنك مصر أن فى مصر عقولا اقتصادية كبيرة وأن بها أموالا كثيرة كانت تحتاج إلى من يوجهها الوجهة الصحيحة كما أثبت خطأ المقولة التى كانت تقول إن مصر بلد زراعى فقط.
وقد غنى سيد درويش لبنك مصر فقال :
المصرى أولى بقرش المصرى
يفضل فى إيده ما يتبعزقشى
هما بمالهم واحنا بروحنا
دى إيد لوحدها متصقفشى
ولم تتوقف إنجازات طلعت حرب عند حدود مصر ولكنها امتدت إلى الدول العربية ليحقق على أرض الواقع فكرة (الوحدة العربية) حيث امتدت أعمال طلعت حرب إلى سوريا - لبنان - السودان - السعودية من خلال إنشاء فروع لبنك مصر وشركاته كما قام برصف الطريق بين جدة ومكة لأول مرة بعد أن كان ترابيا، وقد كان بيته فى حى العباسية صالونا يجمع كل الشخصيات العربية وكان يدعو إلى تقييم تجربة بنك مصر فى كل الدول العربية.
وقد كان طلعت حرب فى كل خطواته حريصا على تأكيد الهوية الوطنية المصرية حيث دعا الحكومة إلى إنشاء بنك صناعى يتولى مهمة تمويل الصناعات الوطنية بقروض طويلة الأجل.
ووسط هذه النجاحات الكبيرة فى عالم الاقتصاد ظل طلعت حرب صاحب المزاج الأدبى الرفيع وصاحب الشخصية الفنية المتميزة كما ظل صاحب قلم خصب متأنق وذوق فنى رفيع يدافع عن الثقافة الوطنية فى كافة المجالات حيث نجح فى أن يجعل اللغة العربية لغة الأعمال المالية.
وكان من الطبيعى أن تثير نجاحات طلعت حرب أحقاد وغضب المستعمر الإنجليزى والحكومات العميلة له فاستغلوا الهزة الاقتصادية العالمية التى حدثت فى منتصف عام 1939 بعد بداية الحرب العالمية الثانية وتآمروا على بنك مصر فسحبت الحكومة ودائعها من بنك مصر خلال عشرة أيام فقط مما أصاب البنك بهزة كبيرة جعلت طلعت حرب يطلب الاقتراض من البنك الأهلى ولكن المحافظ الإنجليزى للبنك رفض هذا الطلب فتأكد طلعت حرب بأن المؤامرة على بنك مصر تستهدفه شخصيا خاصة بعد أن رفض حسين سرى وزير المالية فى حكومة على ماهر مساعدة بنك مصر بل اشترط تعيين مسئول آخر عن البنك مع تعهد البنك بعدم تأسيس شركات جديدة وأمام هذا الوضع المتأزم قدم طلعت حرب استقالته فى يوم 14 ستمبر 1939 وعندما رفض أعضاء مجلس إدرة البنك الاستقالة قال لهم (لقد مت ولم أدفن.. فليبق بنك مصر وليذهب ألف طلعت حرب).. وقد عاش طلعت حرب بعد استقالته عامين ثم توفى فى 13 أغسطس 1941 بعد رحلة عطاء كبيرة فى مقاومة الاحتكار الأجنبى، رحل وترك أربع بنات هن خديجة - هدى - فاطمة - عائشة والأهم أنه ترك مجموعة من العبر والدروس فما أحوجنا الآن إلى (استسناخ) طلعت حرب روحا وفكرا ليعلم ويتعلم كل من يعمل فى عالم المال والاقتصاد أن البنوك تقام لخدمة الناس وليس لسرقتهم، وأن المصانع والشركات تنشأ للحفاظ على هوية الوطن وثرواته وليست (طابوراً خامساً) يعمل على محو الهوية وإهدار الثروات، وأن الثقافة هى عقل وروح الاقتصاد وبدونها يتحول هذا الاقتصاد إلى آلة بغيضة تسحق الوطن والمواطن، وأن الاستقلال الاقتصادى هو البداية الحقيقية والأساسية للاستقلال السياسى.
وفى النهاية فإن طلعت حرب هو (الوصفة السحرية) و(الروشتة) التى نحتاج إليها فى الوقت الراهن لكى نجعل من استقلالنا الاقتصادى والسياسى أمراً واقعا وليس حبرا على ورق.
محمد الشافعى
هناك حكمة تؤكد على أن كل من يريد أن يكون مؤثرا أو فاعلا فعليه أن يسلك أحد طريقين فإما أن يتغلغل ببطء وإصرار مثل نقاط الماء الصغيرة التى تنزل على الصخر برتابة وانتظام حتى تكسره.. أما الطريق الثانى فهو الإتيان بعمل صادم وكبير لينفجر مثل القنبلة.. وللحق فإن الطريق الأول يمتلك قدرات أكبر على النجاح والاستمرارية.. وربما لذلك اختار الزعيم الوطنى الكبير طلعت حرب أن ينتهج هذا النهج مما مكن لبصماته وإنجازاته أن تسكن قلوب ووجدانات الغالبية العظمى من الشعب ومما جعل منه نموذجا رائدا وعظيما فى كيفية مواجهة الأعداء عن طريق بناء الذات وتقوية القدرات الوطنية.
وينتمى محمد طلعت إلى محافظة الشرقية التي تمثل إحدى قلاع الوطنية المصرية حيث ولد فى 25 نوفمبر 1867 بمنطقة قصر الشوق فى حى الجمالية وفى رحاب مسجد الحسين وكان والده موظفا بمصلحة السكك الحديدية الحكومية وينتمى إلى عائلة حرب بناحية ميت أبو علي من قرى منيا القمح بالشرقية كما كانت والدته تنتسب إلى عائلة صقر من كفر محمد أحمد التابعة لمنيا القمح أيضا. وقد حفظ طلعت حرب القرآن فى طفولته ثم التحق بمدرسة التوفيقية الثانوية بالقاهرة ثم التحق بمدرسة الحقوق الخديوية في أغسطس 1885 وحصل على شهادة مدرسة الحقوق فى 1889 بما يعنى أنه قد استقبل فى شبابه الباكر ثورة عرابى ضد الخديو وضد الإنجليز الذين احتلوا مصر فى 1882 وقد ساعد هذا على تأجيج الحس الوطنى داخل طلعت حرب مثل كل الشباب المصرى فى ذلك الوقت. وقد بدأ حياته العملية مترجما بقلم القضايا بالدائرة المدنية ثم أصبح رئيسا لإدارة المحاسبات ثم مديراً لمكتب المنازعات خلفا للزعيم الوطنى محمد فريد وذلك فى عام 1891 ثم تدرج في السلك الوظيفى حتى أصبح مديرا لقلم القضايا. وفى عام 1905 انتقل ليعمل مديراً لشركة كوم إمبو بمركزها الرئيس بالقاهرة كما أسندت له فى نفس الوقت إدارة الشركة العقارية المصرية التى عمل على تمصيرها حتى أصبحت غالبية أسهمها فى يد المصريين وكانت هذه الشركة بداية ثورة طلعت حرب لتمصير الاقتصاد ليمتلك القدرة على مقاومة الإنجليز وقد اتجه طلعت حرب إلى دراسة العلوم الاقتصادية كما عكف على النهل من العلوم والآداب فدرس اللغة الفرنسية وأتقنها وتواصل مع كافة التيارات العلمية والثقافية وامتزج بالكثير من أقطابها.
وقد كان طلعت حرب متعدد المواهب ولولا إخلاصه وتفرغه لدعم ومساندة ثورته الاقتصادية لأصبح واحدا من كبار المفكرين والكتاب العرب حيث بدأ حياته بتأليف الكتب خاصة وهو يمتلك الموهبة والأسلوب الجميل والفكر القوى وقد اشتغل بالصحافة وكانت له آثار صحفية وأدبية بارزة، كما كانت له معاركة الفكرية الكبيرة والمؤثرة حيث خالف اجتهادات قاسم أمين فى قضية تحرير المرأة حيث كان طلعت حرب محافظا فى أفكاره ويقدس تقاليد الآباء والأجداد مع ميل إلى التجديد والاقتباس من كل ما يفيد وينفع من مخترعات الأوروبيين وأفكارهم.
فى عام 1907 كتب مقالا على صفحات (الجريدة) قال فيه (نطلب الاستقلال العام ونطلب أن تكون مصر للمصريين وهذه أمنية كل مصرى ولكن ما لنا لا نعمل للوصول إليها؟ وهل يمكننا أن نصل إلى ذلك إلا إذا زاحم طبيبنا الطبيب الأوروبى ومهندسنا المهندس الأوروبى والتاجر منا التاجر الأجنبى والصانع منا الصانع الأوروبى وماذا يكون حالنا ولا (كبريته) يمكننا صنعها نوقد بها نارنا ولا إبرة لنخيط بها ملبسنا ولا فابريقة ننسج بها غزلنا ولا مركب أو سفينة نستحضر عليها ما يلزمنا من البلاد الأجنبية فما بالنا عن كل ذلك لاهون ولا نفكر فيما يجب علينا عمله تمهيدا لاستقلالنا إن كنا له حقيقة طالبين وفيه راغبين.. وأرى البنوك ومحلات التجارة والشركات ملأى بالأجانب وشبابنا إن لم يستخدموا فى الحكومة لا يبرحون القهاوى والمحلات العامة وأرى المصرى هنا أبعد ما يكون عن تأسيس شركات زراعية وصناعية وغيرها وأرى المصرى يقترض المال بالربا ولا يرغب فى تأسيس بنك يفك مضايقته ومضايقة أخيه وقت الحاجة.. فالمال هو (أس) كل الأعمال فى هذا العصر وتوأم كل ملك).
وإذا نظرنا إلى ما كتبه طلعت حرب في مطلع القرن العشرين لوجدنا أنه (مانفيستو) يحدد بدقة شديدة كل الآليات المطلوبة لأحداث ثورة حقيقية تحافظ على هوية الوطن وثوابت الأمة ونعتقد أننا ما زلنا فى أشد الحاجة لتطبيق (روشتة) طلعت حرب خاصة وأنه كان يتعامل مع السياسة على أنها عمل وإنشاء ويرفض التعامل معها من منطلق أنها مظاهرات وهتاف كما كان يؤمن بأن الاستقلال السياسى هو الأساس الحقيقى للاستقلال السياسى انطلاقا من المثل الشعبى الذى يقول (إذا أردت أن يكون قرارك من (رأسك) فلابد وأن يكون رغيفك من (فأسك) وكان طلعت حرب يؤكد بأن الاستقلال يأتى بالأساس عن طريق مداخن المصانع وليس أفواه المدافع وأن البنوك والشركات تحرس حرية مصر أكثر مما تحرسها القلاع الحربية وبالطبع فإنه كان يقصد البنوك التى تعمل لصالح غالبية الشعب وليست البنوك التى يسرقها أصحاب السلطة والسلطان من الساسة ورجال الأعمال.
وقبل أن نبحر فى ثورة طلعت حرب الاقتصادية نتوقف قليلا عند إنجازه الفكرى والأدبى حيث كان - كما ذكرنا - يقف فى الصف الأول من المحافظين ويتسم باستقامة عالية وروح قوية وإرادة عنيدة وهمة غلابة وباختصار فقد خلق ليكون زعيما. كما كان من الكتاب الواقعيين ومصلحا له رؤية واضحة تستهدف دوما المصالح العليا للوطن وقد بدأ حياته الفكرية بالكتابة فى الصحف ثم كتب كتابه الأول (كلمة حق عن الإسلام والدولة العثمانية) ثم كتاب (تربية المرأة والحجاب) وذلك رداً على كتاب (تحرير المرأة) لقاسم أمين الذى صدر عام 1898 ثم ألف كتاب (فصل الخطاب فى المرأة والحجاب) رداً على كتاب قاسم أمين الثانى (المرأة الجديدة) وقد أكد طلعت حرب على أن خصومته الفكرية مع قاسم أمين لم تكن على قضية التحرير الأدبى للنساء وإنما كانت تتمركز حول مخاطر هذه الطفرة الطارئة التى لا مبرر لها فى حياة نسائنا وما وراء هذه الطفرة من شر قد يستغله الدخلاء لتحقيق مصالح مادية ومعنوية، وكان يؤكد على أن (الحرية التى تقتل العصمة شر من الحجاب) وفى عام 1911 قدم طلعت حرب رؤيته الفكرية واجتهاداته النظرية عن كيفية إحداث ثورته الثقافية وذلك من خلال كتابه (علاج مصر الاقتصادى وإنشاء بنك للمصريين)
وفى عام 1912 قدم طلعت حرب كتابه (قناة السويس وذلك لتفنيد دعاوى إنجلترا وفرنسا لتمديد عقد احتكار القناة لمدة 40 سنة أخرى بعد الــ 99 سنة التى تنتهى فى عام 1968 وقد نجحت حملة طلعت فى القضاء على هذا المخطط الاستعمارى فى مهده.
وقد كان طلعت حرب ميالا - بشكل واع - للفلاحين والغلابة ويدافع عنهم فعند تصفية الدائرة السنية سعى إلى بيع الأراضى إلى الفلاحين الذين يزرعونها ونجح فى ذلك مما يؤكد نزعته الاشتراكية التى لم يسع أبدا إلى قولبتها فى قوالب سابقة التجهيز ولكنها كانت اشتراكية تنبع من الأرض المصرية.
بعد أن أعلن طلعت حرب عن فكرته فى ضرورة إنشاء بنك للمصريين انعقد (المؤتمر الوطنى) عام 1911 للنظر فى مشكلات مصر الاجتماعية وقرر المجتمعون تنفيذ فكرة حرب فى إنشاء بنك مصر وقد تعطلت عملية إنشاء البنك بسبب الحرب العالمية الأولى.
وعندما انتهت الحرب دون أن تحصل مصر على استقلالها السياسى انفجرت ثورة 19 بقيادة سعد زغلول وأثناء الثورة دعا طلع حرب أبناء مصر إلى الكفاح ضد سيطرة الأجانب الاقتصادية على المقدرات المصرية وتعود فكرة إنشاء بنك مصر وينجح طلعت حرب فى إنشاء البنك عام 1920 حيث تم الاحتفال بتأسيسه مساء الجمعة 7 مايو 1920 فى دار الأوبراالسلطانية وذلك برأس مال 180 ألف جنيه وتم تحديد قيمة السهم بأربعة جنيهات مصرية وفى نهاية عامه الأول ارتفع رأس مال البنك إلى 175 ألف جنيه ثم إلى نصف مليون جنيه عام 1925 ثم إلى مليون جنيه عام 1932 وقد بدأ بنك مصر فى ركن متواضع من أوطان شارع الشيخ أبى السباع، وقد كان طلعت حرب شخصية شديدة الحيوية والديناميكية ينهض مبكراً ويبدأ العمل فى السادسة صباحا ويصدر التعليمات إلى رجاله وظل يعمل لمدة خمس سنوات لمدة 15 ساعة يوميا وبدون مقابل. وقد استفاد طلعت حرب كثيراً عندما ارتبط فى بداية حياته بعلاقة وثيقة مع عمر باشا سلطان مما أكسبه الكثير من الخبرات الاقتصادية والإدارية وفى اتصاله بالحركة الوطنية أيام الخديو عباس حلمى الثانى. ولذلك فقد كان ينظر إلى المال كخدمة عامة يساعد فى الحفاظ على الثروة الوطنية وتصنيع البلاد وقد أكد ذلك فى خطبة افتتاح بنك مصر حيث ذهب إلى أنه ليس بنكا تجاريا حيث إن مهمته الأساسية هى إدخال التصنيع إلى مصر وتشجيع التجارة وقبل أن ينشئ بنك مصر أنشأ مع صديقه فؤاد الحجازى محلا للبقالة حتى يشجع المصريين على التجارة ورغم انتقادات المحيطين به إلا أن التجربة نجحت وشجعت الكثيرين على خوض مجال التجارة وقد تنازل بعد ذلك عن المحل لبعض المصريين. وقد كان شعاره الوحيد (من حسب كسب) وقد كتب عنه جاك بيرك (إن ميزته الأولى كانت فى إدراكه للقوة الكامنة والإمكانات الهائلة التى لم تستقل بعد عند مواطنيه) وهذا كلام صادق تماما حيث دأب الاحتلال الإنجليزى على ترويج أن الشعب المصرى لا يعرف إلا الزراعة وأنه لا يجيد الأعمال الاقتصادية أو الصناعية وقد أثبت طلعت حرب فساد وخطأ هذه المقولات حيث ساهم بنك مصر فى تجميع أموال المصريين التى ادخروها خلال الحرب العالمية الأولى والتى كانت حائرة عاطلة بعد ارتفاع أسعار العقارات. وقد قام بنك مصر برسالته الوطنية فى تنمية الودائع علاوة على أرباحه التى استثمرها في إنشاء أكثر من عشرين شركة مصرية ومع تأسيس البنك رفض طلعت حرب رئاسة بنك مصر وترك المنصب لأحمد مدحت باشا يكن واكتفى هو بمنصب نائب الرئيس والعضو المنتدب وقد استدعى الخبير الألمانى (فون أنار) لوضع النظم الداخلية للبنك وفى نفس الوقت أرسل بعثات من شباب مصر إلى إنجلترا وسويسرا وألمانيا للتدريب العملى على العمل المصرفى وقد عاد جميع المصريين ليعملوا فى بنك مصر، وسريعا ما انتقل بنك مصر من مقره المتواضع إلى مقره الحالى فى شارع محمد فريد وسريعا ما انتشرت فروع البنك لتصل إلى 37 وحدة مصرفية فى عام 1938، وقد اهتم طلعت حرب بالمظهر الخارجى لمنشآت بنك مصر فجعل جميع مبانى البنك ذات نمط معمارى واحد. وقد استطاع بنك مصر وشركاته امتصاص جزء كبير من البطالة حيث زادت ودائع البنك مقارنة بكل البنوك الأجنبية العاملة فى مصر مما أنهى مقولة الاستعمار والتى كانت تردد فى ذلك الوقت (المصرى لا يعرف إلا الاستدانة) حيث استطاع بنك مصر تحفيز الادخار لدى كل المصريين حتى الأطفال بعد أن وزع البنك حصالات على تلاميذ المدارس الابتدائية ثم يأخذ ما فيها ويفتح للأطفال دفاتر توفير بالبنك.. كما كان طلعت حرب يراعى دائما البعد الأخلاقى في معاملاته وتعاملاته حيث أصدر قراراً بعدم تمويل بنك مصر لأية مشروعات تسىء إلى الخلق العام، وكرامة الإنسان.. كما حرص البنك على مساعدة صغار الصناع والحرفيين للصمود أمام سيطرة المنتجات الإنجليزية على السوق المصرية ومنافستها وكما شجع البنك قيام شركات المقاولات المصرية ودعمها ماليا بكسر احتكار الأجانب لهذه المشروعات حيث كان الأجانب يقرضون الفلاحين والجمعيات التعاونية بضمان الأرض فإن عجزوا عن السداد يتم الاستيلاء على الأرض المرهونة وقد استطاع طلعت حرب أن يتصدى لهذه السياسة الاستعمارية ليتم الحفاظ على ثروة مصر من الأرض الزراعية، وقد طلب البنك من الحكومة المصرية إنشاء البنك العقارى المصرى ليتولى عمليات الدعم للنشاط الزراعى فى جميع أنحاء مصر.
بعد عامين فقط من إنشاء بنك مصر قام طلعت حرب بإنشاء أول مطبعة مصرية برأس مال قدره خمسة آلاف جنيه وذلك ليدعم الفكر والأدب ويقوى المقاومة الوطنية حيث كان يؤكد على أهمية أن تكون القراءة فى أيدينا وليس فى يد الأجنبى.. وبعد إنشاء المطبعة توالت الشركات المصرية التى ينشئها البنك مثل شركة مصر للنقل البرى التى قامت بشراء أول حافلات لنقل الركاب والتى ظهرت فى فيلم «الوردة البيضاء» للموسيقار محمد عبد الوهاب، كما قامت الشركة بشراء الشاحنات الكبيرة لنقل البضائع من الموانئ كما أنشأ البنك شركة مصر للنقل النهرى ثم شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى واستقدم طلعت حرب خبراء هذه الصناعة من بلجيكا وأرسل بعثات العمال والفنيين للتدريب فى الخارج.. كما أقام مصنعا لحلج القطن فى بنى سويف... وأنشأ البنك مخازن (شون) لجمع القطن فى كل محافظات مصر.
وتواصلت عطاءات طلعت حرب فأنشأ شركات مصر للملاحة البحرية ومصر لأعمال الأسمنت المسلح ومصر للصباغة ومصر للمناجم والمحاجر ومصر لتجارة وتصنيع الزيوت ومصر للمستحضرات الطبية ومصر للألبان والتغذية ومصر للكيمياويات ومصر للفنادق ومصر للتأمين ، كما أنشأ طلعت حرب شركة بيع المصنوعات المصرية لتنافس الشركات الأجنبية بنزايون - صيدناوى.. إلخ.
وقد سعى طلعت حرب لإنشاء شركة مصرية للطيران إلى أن صدر فى 27 مايو 32 مرسوم ملكى بإنشاء شركة مصر للطيران أول شركة طيران فى الشرق الأوسط برأس مال 20 ألف جنيه وبعد عشرة أشهر زاد رأس المال إلى 75 ألف جنيه وقد بدأت الشركة بطائرتين من طراز (دراجون موت) ذات المحركين تسع كل منها لثمانية ركاب وكان أول خط من القاهرة إلى الاسكندرية ثم مرسى مطروح، وكان الخط الثانى من القاهرة إلى أسوان وفى عام 1934 بدأ أول خط خارجى للشركة من القاهرة إلى القدس.
كان طلعت حرب يؤمن بأن تجديد الاقتصاد فى مصر فى بلد زراعى متخلف لن يتم إلا إذا ازدهرت الثقافة واستنارت العقول بالأفكار الجديدة والثقافة الرفيعة وكان يؤمن أيضا بأن الثقافة استثمار كبير. وإيمانا منه بضرورة تدعيم الثقافة والفنون ونشر الوعى قام بتأسيس شركة مصر للتمثيل والسينما (أستديو مصر) لإنتاج أفلام مصرية لفنانين مصريين مثل أم كلثوم - عبد الوهاب وغيرهما وقد أنتج أستوديو مصر فيلما قصيرا لمدة عشر دقائق للإعلان عن المنتجات المصرية. كما أنتج نشرة أخبار أسبوعية عن الأحداث فى مصر يتم عرضها فى دور العرض قبل بداية أى فيلم وقام أستوديو مصر بإرسال البعثات الفنية من المصريين إلى أوروبا لتعلم فنون التصوير والإخراج والديكور والمكياج فسافر أحمد بدرخان - موريس كساب(إخراج) - حسن مراد - محمد عبد العظيم(تصوير) - مصطفى والى (صوت) - ولى الدين سامح (ديكور) - نيازى مصطفى (مونتاج) وتم تعيين الفنان أحمد سالم مديراً لأستوديو مصر وقد أكد طلعت حرب على أهمية السينما وخطورة دورها عندما قال (إننا نعمل بقوة اعتقادية وهى أن السينما صرح عصرى للتعليم لا غنى لمصر عن استخدامه فى إرشاد سواد الناس).
لم تنتج شركة ستوديو مصر أفلاما فى البداية ولكنها أنشأت معامل استعان بها المنتجون الأوائل مثل يوسف وهبى (فيلم زينب عام 1930) - آسيا (فيلم وخز الضمير عام 31) - عزيزة أمير (فيلم كفرى عن خطيئتك عام 33).
وقد أنتج أستوديو مصر ما بين عامى 38 - 1956 مجموعة من الأفلام بلغت 57 فيلما أولها وداد لأم كلثوم وأهمها (سلامة فى خير - لاشين - العزيمة - سى عمر - غرام وانتقام - السوق السوداء - فاطمة - لحن الخلود)
وبعد أن أنشأ طلعت حرب مطبعة مصر وأستوديو مصر أنشأ أيضا مسرح الأزبكية (المسرح القومى) الذى ظل لوقت طويل أهم مسارح القاهرة وأرقاها، ومن خلال هذه الثلاثية (المطبعة - الأستوديو - المسرح) اكتملت سيمفونية الفنون والثقافة التى آمن بها طلعت حرب والتى حقق من خلالها هدفين كبيرين الأول أنه ساهم فى تنوير العقل والذوق والوجدان فى مصر مما ساعد على خلق مناخ سليم لحركة اقتصادية جديدة والثانى أنه أدرك القمة الاقتصادية للثقافة وآمن بأن الثقافة هى صناعة رابحة من الدرجة الأولى، وقد استطاع طلعت حرب أن يفجر ثورة اقتصادية شاملة من أكثر من عشرين شركة وطنية انبثقت عن بنك مصر الذى كان مولده البداية الحقيقية للرأسمالية الوطنية المصرية التى قادها طلعت حرب ومعه أحمد مدحت يكن باشا - يوسف أصلان قطاوى باشا - عبد العظيم المصرى بك - عبد الحميد السيوفى - د. فؤاد سلطان - إسكندر مسيحة - عباس بسيونى الخطيب وكلهم مؤسسو بنك مصر، كما ساهمت السيدة هدى شعراوى بشراء 500 سهم. وقد أثبت بنك مصر أن فى مصر عقولا اقتصادية كبيرة وأن بها أموالا كثيرة كانت تحتاج إلى من يوجهها الوجهة الصحيحة كما أثبت خطأ المقولة التى كانت تقول إن مصر بلد زراعى فقط.
وقد غنى سيد درويش لبنك مصر فقال :
المصرى أولى بقرش المصرى
يفضل فى إيده ما يتبعزقشى
هما بمالهم واحنا بروحنا
دى إيد لوحدها متصقفشى
ولم تتوقف إنجازات طلعت حرب عند حدود مصر ولكنها امتدت إلى الدول العربية ليحقق على أرض الواقع فكرة (الوحدة العربية) حيث امتدت أعمال طلعت حرب إلى سوريا - لبنان - السودان - السعودية من خلال إنشاء فروع لبنك مصر وشركاته كما قام برصف الطريق بين جدة ومكة لأول مرة بعد أن كان ترابيا، وقد كان بيته فى حى العباسية صالونا يجمع كل الشخصيات العربية وكان يدعو إلى تقييم تجربة بنك مصر فى كل الدول العربية.
وقد كان طلعت حرب فى كل خطواته حريصا على تأكيد الهوية الوطنية المصرية حيث دعا الحكومة إلى إنشاء بنك صناعى يتولى مهمة تمويل الصناعات الوطنية بقروض طويلة الأجل.
ووسط هذه النجاحات الكبيرة فى عالم الاقتصاد ظل طلعت حرب صاحب المزاج الأدبى الرفيع وصاحب الشخصية الفنية المتميزة كما ظل صاحب قلم خصب متأنق وذوق فنى رفيع يدافع عن الثقافة الوطنية فى كافة المجالات حيث نجح فى أن يجعل اللغة العربية لغة الأعمال المالية.
وكان من الطبيعى أن تثير نجاحات طلعت حرب أحقاد وغضب المستعمر الإنجليزى والحكومات العميلة له فاستغلوا الهزة الاقتصادية العالمية التى حدثت فى منتصف عام 1939 بعد بداية الحرب العالمية الثانية وتآمروا على بنك مصر فسحبت الحكومة ودائعها من بنك مصر خلال عشرة أيام فقط مما أصاب البنك بهزة كبيرة جعلت طلعت حرب يطلب الاقتراض من البنك الأهلى ولكن المحافظ الإنجليزى للبنك رفض هذا الطلب فتأكد طلعت حرب بأن المؤامرة على بنك مصر تستهدفه شخصيا خاصة بعد أن رفض حسين سرى وزير المالية فى حكومة على ماهر مساعدة بنك مصر بل اشترط تعيين مسئول آخر عن البنك مع تعهد البنك بعدم تأسيس شركات جديدة وأمام هذا الوضع المتأزم قدم طلعت حرب استقالته فى يوم 14 ستمبر 1939 وعندما رفض أعضاء مجلس إدرة البنك الاستقالة قال لهم (لقد مت ولم أدفن.. فليبق بنك مصر وليذهب ألف طلعت حرب).. وقد عاش طلعت حرب بعد استقالته عامين ثم توفى فى 13 أغسطس 1941 بعد رحلة عطاء كبيرة فى مقاومة الاحتكار الأجنبى، رحل وترك أربع بنات هن خديجة - هدى - فاطمة - عائشة والأهم أنه ترك مجموعة من العبر والدروس فما أحوجنا الآن إلى (استسناخ) طلعت حرب روحا وفكرا ليعلم ويتعلم كل من يعمل فى عالم المال والاقتصاد أن البنوك تقام لخدمة الناس وليس لسرقتهم، وأن المصانع والشركات تنشأ للحفاظ على هوية الوطن وثرواته وليست (طابوراً خامساً) يعمل على محو الهوية وإهدار الثروات، وأن الثقافة هى عقل وروح الاقتصاد وبدونها يتحول هذا الاقتصاد إلى آلة بغيضة تسحق الوطن والمواطن، وأن الاستقلال الاقتصادى هو البداية الحقيقية والأساسية للاستقلال السياسى.
وفى النهاية فإن طلعت حرب هو (الوصفة السحرية) و(الروشتة) التى نحتاج إليها فى الوقت الراهن لكى نجعل من استقلالنا الاقتصادى والسياسى أمراً واقعا وليس حبرا على ورق.