Che
08-22-2006, 08:45 PM
دمشق
صحيفة تشرين
ثقافة وفنون
الثلاثاء 5 أيلول 2006
ناهض حسن
لا أحد يستطيع أن ينكر أهمية اللغة بوصفها عاملاً جوهرياً أو ـ حاسماً ـ في عملية الإبداع الأدبي بمختلف أجناسه، ولا يمكن أن نجد شعراً أو نثراً راقياً من دون لغة متماسكة، متينة، يانعة، مجازية، موحية.
ولذلك كانت اللغة واحدة من أهم العناصر الداخلة في تشكيل بنية العمل الإبداعي، كما يمكن اعتبارها أحد أهم العناصر التي تمنح للأديب خصوصيته وشخصيته الفنية المتميزة.
لكن لماذا هذه المبالغة المطلقة باللغة، حتى بتنا نسمع ونقرأ الكثير من الآراء التي تقول إن اللغة هدف مطلق بحد ذاته بل إن الأدب والشعر خصوصاً هو مغامرة في اللغة!!.
ينبغي وضع الأمور في نصابها، إذاً، اللغة أداة اتصال. وقد لعبت دوراً انعطافياً حاسماً في تطور الحضارة البشرية وهي أداة تفكير أيضاً، أي أنها جزء من العملية الفكرية، ولكنها ليست الفكر ذاته كما يدعي البعض، وقد أثبت الفسلجي الروسي الشهير بافلوف، في مطلع القرن العشرين أهميتها الحاسمة بوصفها أداة تفكير وتدخل في نسيج العملية الفكرية، وبعد تشريحه الفسلجي للمخ مخبرياً تبين له أنه ينقسم إلى عدة مراكز مخية لغوية، كالمركز المخي البصري اللغوي، المركز المخي السمعي اللغوي.. الخ.
هناك بعض النظريات تقول إن استخدام اللغة في المجتمع البشري يعود إلى الخمسين ألف سنة الماضية، وبغض النظر عن مدى دقة ذلك من الناحية التاريخية، ألا أنه من المؤكد أن الحياة البشرية تعود في جذرها الأول إلى ملايين السنين، وهو ما يؤكد أن حياة الكائن البشري أسبق بما لا يقاس من اللغة واكتشافها.. إذاً إن الأدب والشعر خصوصاً ليس مغامرة في اللغة، بل هو مغامرة في الحياة معبَّراً عنها في اللغة، معنى ذلك أنها وسيلة وأداة تفكير وليست هدفاً مطلقاً.
إن ا لأهمية الحاسمة للغة في تاريخ الفكر والحضارة البشرية تعود إلي خاصيتين جوهريتين اثنتين هما: التجريد، والتعميم، ومن دونهما، كان من المستحيل تطور الفكر البشري.
ثم جاء المنعطف الحاسم في تاريخ الحضارة البشرية ألا وهو اختراع الكتابة المسمارية في بلاد ما بين النهرين قبل حوالي ستة آلاف عام.
في الحقيقة إن هناك جذراً فكرياً هو الذي أنتج لنا مثل هذه المقولات: «اللغة هدف مطلق»!! وقد لمسنا ذلك بشكل خاص في المدارس الشكلانية: الروسية، والفرنسية، ومدرسة براغ... الخ.
هذه المدارس التي ركزت على دراسة الخصائص اللغوية، والبنية الفنية، الجمالية للعمل الأدبي من دون الاهتمام بالعامل الاجتماعي والمستوى المضموني للنص.
أما المدرسة الماركسية فقد ركزت على الجانب الاجتماعي بوصفه عاملاً حاسماً في تشكيل النص الأدبي، وأهملت إلى حد ما دراسة البنية الفنية للنص.
وعلى عكس هذا المنهج، جاء النقد البنيوي ليركز على دراسة الخصائص الجمالية والشكلية للنص مع إهمال الجانب الاجتماعي.
من هنا جاءت البنيوية ـ التكوينية لغولدمان، ولوتمان، لتضع الأمو ر في نصابهما الحقيقي، وتجمع ما بين العاملين: الفني والاجتماعي وتأثيرهما في تشكيل النص الأدبي.
وإذا ما انتقلنا إلى الناقد الفرنسي، رولان بارت، بوصفه أحد أهم المؤسسين لمنهج النقد السيميائي ـ بعد السويسري دي سوسير ـ فإن رأيه القائل بأن: «السيميولوجيا هي جزء من اللغة»، هو رأي قابل للدحض النظري، وذلك لأن اللغة بوصفها ظاهرة اجتماعية ـ تاريخية، وبوصفها نسقاً إشارياً هي جزء من الحياة الاجتماعية وبما أنه علم العلامات: «السيميولوجيا» يدرس العلامات والإشارات داخل بنية اللغة، ويتعداها في ذات الوقت لدراسة العلامات داخل المجتمع، فهذا يعني أن الجزء «اللغة» هو الذي يلتحق وينتمي للكل، وليس العكس، أي أن اللغة بوصفها «بنية» هي في نهاية المطاف عنصر في البنية المجتمعية الأكبر والأشمل.
وهذا يقودنا للتأكيد على أن رأي «دي سوسير» القائل إن اللغة هي جزء من السيميولوجيا هو الأكثر منطقية وصحة، إذاً، اللغة هي أداة اتصال، وأداة تفكير، وأداة أدبية وفنية حاسمة لا يمكن تصور أي عمل إبداعي عظيم من دون إجادتها، ولكنها ليست الحياة، وليست هدفاً مطلقاً بحد ذاته، هذا هو اجتهادتنا، ولا ندعي أنه كلي الصحة، فالمسألة تحتاج إلى حوار دائم ومفتوح
صحيفة تشرين
ثقافة وفنون
الثلاثاء 5 أيلول 2006
ناهض حسن
لا أحد يستطيع أن ينكر أهمية اللغة بوصفها عاملاً جوهرياً أو ـ حاسماً ـ في عملية الإبداع الأدبي بمختلف أجناسه، ولا يمكن أن نجد شعراً أو نثراً راقياً من دون لغة متماسكة، متينة، يانعة، مجازية، موحية.
ولذلك كانت اللغة واحدة من أهم العناصر الداخلة في تشكيل بنية العمل الإبداعي، كما يمكن اعتبارها أحد أهم العناصر التي تمنح للأديب خصوصيته وشخصيته الفنية المتميزة.
لكن لماذا هذه المبالغة المطلقة باللغة، حتى بتنا نسمع ونقرأ الكثير من الآراء التي تقول إن اللغة هدف مطلق بحد ذاته بل إن الأدب والشعر خصوصاً هو مغامرة في اللغة!!.
ينبغي وضع الأمور في نصابها، إذاً، اللغة أداة اتصال. وقد لعبت دوراً انعطافياً حاسماً في تطور الحضارة البشرية وهي أداة تفكير أيضاً، أي أنها جزء من العملية الفكرية، ولكنها ليست الفكر ذاته كما يدعي البعض، وقد أثبت الفسلجي الروسي الشهير بافلوف، في مطلع القرن العشرين أهميتها الحاسمة بوصفها أداة تفكير وتدخل في نسيج العملية الفكرية، وبعد تشريحه الفسلجي للمخ مخبرياً تبين له أنه ينقسم إلى عدة مراكز مخية لغوية، كالمركز المخي البصري اللغوي، المركز المخي السمعي اللغوي.. الخ.
هناك بعض النظريات تقول إن استخدام اللغة في المجتمع البشري يعود إلى الخمسين ألف سنة الماضية، وبغض النظر عن مدى دقة ذلك من الناحية التاريخية، ألا أنه من المؤكد أن الحياة البشرية تعود في جذرها الأول إلى ملايين السنين، وهو ما يؤكد أن حياة الكائن البشري أسبق بما لا يقاس من اللغة واكتشافها.. إذاً إن الأدب والشعر خصوصاً ليس مغامرة في اللغة، بل هو مغامرة في الحياة معبَّراً عنها في اللغة، معنى ذلك أنها وسيلة وأداة تفكير وليست هدفاً مطلقاً.
إن ا لأهمية الحاسمة للغة في تاريخ الفكر والحضارة البشرية تعود إلي خاصيتين جوهريتين اثنتين هما: التجريد، والتعميم، ومن دونهما، كان من المستحيل تطور الفكر البشري.
ثم جاء المنعطف الحاسم في تاريخ الحضارة البشرية ألا وهو اختراع الكتابة المسمارية في بلاد ما بين النهرين قبل حوالي ستة آلاف عام.
في الحقيقة إن هناك جذراً فكرياً هو الذي أنتج لنا مثل هذه المقولات: «اللغة هدف مطلق»!! وقد لمسنا ذلك بشكل خاص في المدارس الشكلانية: الروسية، والفرنسية، ومدرسة براغ... الخ.
هذه المدارس التي ركزت على دراسة الخصائص اللغوية، والبنية الفنية، الجمالية للعمل الأدبي من دون الاهتمام بالعامل الاجتماعي والمستوى المضموني للنص.
أما المدرسة الماركسية فقد ركزت على الجانب الاجتماعي بوصفه عاملاً حاسماً في تشكيل النص الأدبي، وأهملت إلى حد ما دراسة البنية الفنية للنص.
وعلى عكس هذا المنهج، جاء النقد البنيوي ليركز على دراسة الخصائص الجمالية والشكلية للنص مع إهمال الجانب الاجتماعي.
من هنا جاءت البنيوية ـ التكوينية لغولدمان، ولوتمان، لتضع الأمو ر في نصابهما الحقيقي، وتجمع ما بين العاملين: الفني والاجتماعي وتأثيرهما في تشكيل النص الأدبي.
وإذا ما انتقلنا إلى الناقد الفرنسي، رولان بارت، بوصفه أحد أهم المؤسسين لمنهج النقد السيميائي ـ بعد السويسري دي سوسير ـ فإن رأيه القائل بأن: «السيميولوجيا هي جزء من اللغة»، هو رأي قابل للدحض النظري، وذلك لأن اللغة بوصفها ظاهرة اجتماعية ـ تاريخية، وبوصفها نسقاً إشارياً هي جزء من الحياة الاجتماعية وبما أنه علم العلامات: «السيميولوجيا» يدرس العلامات والإشارات داخل بنية اللغة، ويتعداها في ذات الوقت لدراسة العلامات داخل المجتمع، فهذا يعني أن الجزء «اللغة» هو الذي يلتحق وينتمي للكل، وليس العكس، أي أن اللغة بوصفها «بنية» هي في نهاية المطاف عنصر في البنية المجتمعية الأكبر والأشمل.
وهذا يقودنا للتأكيد على أن رأي «دي سوسير» القائل إن اللغة هي جزء من السيميولوجيا هو الأكثر منطقية وصحة، إذاً، اللغة هي أداة اتصال، وأداة تفكير، وأداة أدبية وفنية حاسمة لا يمكن تصور أي عمل إبداعي عظيم من دون إجادتها، ولكنها ليست الحياة، وليست هدفاً مطلقاً بحد ذاته، هذا هو اجتهادتنا، ولا ندعي أنه كلي الصحة، فالمسألة تحتاج إلى حوار دائم ومفتوح